هل حقا تريد “حماس” مصالحة..؟؟بقلم:أكرم عطالله

لأول مرة منذ التزامي مع “الأيام” أجد نفسي عاجزاً عن اختيار الفكرة التي سأكتب لهذا الأسبوع المثقل بالأحداث بدءاً من المبادرات التي تتقاذف وزيارة الرئيس لغزة ، أم السفينة التي تقول إسرائيل أنها ضبطت بها أسلحة مخلة بالتوازن ومدى خطورة هذه الدعاية التي تصدر عن دولة مدججة بالكذب وسوء النوايا، أم عن الاحتفال بانتصار “حماس” على مجموعة المعتصمين في ساحة الكتيبة بغزة في الهجوم الباسل الذي سيخلد في ذاكرة كل الذين تم ترويعهم في تلك الليلة والتي انتهت بتعليق يدي اليسرى على رقبتي حين انفلتت شهوة العنف . 

حاولت تجنب الكتابة عن يوم الانتصار التاريخي لحركة حماس على الذين كانوا يدعون للوحدة الوطنية ويرفعون علم فلسطين، في محاولة للحفاظ على موضوعية مقالي حتى لا أكتبه تحت وطأة العاطفة والألم المنبعث من تحت الجبس الذي يغلف يدي التي أصر أحد أفراد الحركة أن يوقع عليها بكل ما أعطي من قوة . لأن الحركة في تلك الليلة التي راقبت تفاصيلها كانت مدعاة للشفقة أكثر مما هي مدعاة للغضب، فالحركة التي كانت لسنوات قليلة قبل دخولها لعبة السياسة رحيمة مع شعبها وقاسية على عدوها ، أصبحت بتلك القسوة على شعبها فيما عدوها يهنأ بهدنة مجانية وحدود هادئة … وذلك ما يدعو للشفقة حين يتحول أولئك الذين كانوا بالأمس أبطالا بنظر أبناء شعبهم إلى حملة هراوات ينزلون بها على رؤوس الآلاف من الشباب الذي ارتكب جرم الدعوة للوحدة .

لكن الخوف أن يفسر عدم تناولي للموضوع بالاعتقاد أن الاعتداء علي من قبل حركة حماس جعلني أكثر خوفاً كما غمز أحدهم، ولكن مكالمة تهديد لأحد الأصدقاء الصحافيين على هاتفه المحمول تذكره بأنهم كسروا يد صديقه الذي هو أنا حسمت بما سأكتبه .

ما حدث في تلك الليلة في ساحة الكتيبة التي ربما اشتهرت منذ احتضانها لأكبر تجمع شعبي إبان الاحتفال بذكرى استشهاد ياسر عرفات لتطلق عليها فتح ” الكتيبة الصفراء ” لترد حماس بتسميتها “الكتيبة الخضراء” لم تكن تلك الليلة هي الأهم بقدر ما يجب أن تفتح النقاش حول مسؤولية الانقسام ومن المسؤول عن استمراره.

ربما حاول الكثير من الكتاب مثلي الحديث بعموميات واستعمال مصطلح أطراف الانقسام أو طرفي الانقسام في محاولة لادعاء الموضوعية التي خلت غالباً من الموضوعية وخوفاً من اتهام حركة حماس دون التدقيق بما حصل منذ أن لجأت الحركة للعنف المسلح في حل الخلافات مع حركة فتح لتسيطر على قطاع غزة وتتسبب وحدها بالانقسام الذي وجه الضربة الأكبر للقضية الوطنية منذ انطلاقتها .

وقد فشلت كل جولات الحوار والتي لعب موقف حماس غالباً الدور الأبرز في ذلك، وقد اتضح موقف الحركة من المصالحة والوحدة حين رفضت التوقيع على ورقة المصالحة المصرية والتي أتت نتاج حملة من الحوارات بين الأطراف .

قبل أسبوع من الإعلان عن الورقة المصرية كان رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل في القاهرة، وقد ساهم في صياغة بنود الورقة التي رفضت حركته التوقيع عليها، ومن يذكر أن أول من بشر بورقة المصالحة تلك هو السيد مشعل، وحين تم الإعلان عنها أثارت استياء لدى جميع القوى بما فيها حركة فتح التي شعرت أن القاهرة قدمت تنازلات لحركة حماس، ويبدو حينها أن الاعتقاد كان قائماً أن فتح والفصائل سترفض التوقيع عليها، وهكذا يتم تبرئة حركة حماس . وتتعطل المصالحة ولكن لا تبدو هي المسؤولة .

لكن مصادفة التاريخ كانت في غير ذلك، حيث تسبب تأجيل تقديم تقرير غولدستون بالحرب على غزة إلى توقيع أبو مازن على الورقة المصرية لتعاد الكرة بملعب حماس التي تملصت من التوقيع، ما أغضب القاهرة حينها والتي أوقفت كل اتصالاتها مع الحركة.

لو وضعت ورقة إيرانية للمصالحة الفلسطينية، هل من المتوقع أن توقع عليها حركة حماس ؟ هذا مستبعد لأن أية ورقة مصالحة وإن كان جميع بنودها في صالح الحركة لا يمكن إلا أن تنتهي بتحديد الموعد للانتخابات، وهذا ما لا تريده حركة حماس والتي باتت تدرك أكثر من غيرها مدى الهبوط بشعبيتها تحديداً في قطاع غزة ليس فقط بسبب وقف المقاومة على عكس شعارات الحركة، ولا أيضاً بسبب ضعف النموذج الإداري والاقتصادي الذي قدمته الحركة، بل بسبب الفرق الهائل جداً بين البرنامج الانتخابي لكتلة التغيير والإصلاح وبين سلوك الحركة، ذلك البرنامج الحالم الذي عكس رغبة حقيقية للشعب وقوى المعارضة من تحريم للاعتقال السياسي والمطالبة بالحريات العامة وحقوق الإنسان والتجمعات السلمية وحرية التعبير وكل الشعارات التي يحلم المعارضون بتطبيقها. ويبدو أن كتبة البرنامج لم يتوقعوا فوزاً بالانتخابات حين دغدغوا مشاعر الناس بالبرنامج ليصبحوا هم مسؤولين عن تطبيقه وهو البرنامج الذي سحب من التداول، وحين بحثت عن نسخة واحدة لم أجدها .

من حق الناس أن تخرج للاعتصام، من حقها أن تطالب بإنهاء الانقسام، أن ترفع علم فلسطين عالياً، أن تهتف بالوحدة الوطنية وهذه هي الشعارات الأقدس والأطهر التي رفعها المعتصمون في ساحة الكتيبة، ومن غير المفهوم أن تتم مكافأتهم بمئات من رجال حماس يجتاحون المكان وينهالون ضرباً على كل من هو فيه، وكان بإمكان السلطة في غزة أن تفرق الناس دون هراوة واحدة، ولكن يبدو أن السبب هو الغضب من فشل قدرة حركة حماس على احتواء الحشد الذي وصل لعشرات الآلاف ساعة الظهيرة في مشهد لن تنساه الذاكرة الوطنية حين كان يرفرف علم فلسطين خفاقاً وحده بعد أن غاب لسنوات وغيبته رايات الفصائل .

البيان الذي أصدرته الداخلية بغزة وبدلا عن الاعتذار للمصابين، تضمن قيامها بمهاجمتهم، وكالت اتهامات زادت من إضعاف موقفها والأسوأ هو اتهامها للمعتصمين بأنهم يتبعون لحركة فتح والأجهزة الأمنية، ويبدو أن تسرع كاتب البيان لم يدرك للحظة أن تلك اللغة قد تبرر للأجهزة في الضفة الغربية قمع أي تجمع لحركة حماس التي من حقها أن تعبر بقدر كبير من الحرية عن رأيها في مدن وشوارع الضفة الغربية، بعيداً عن تدخل الأجهزة، فالموقف لا يتغير من المطالبة بالحريات العامة، سواء يخص حماس أو غيرها، لكن الأهم إن كانت مبادرة لاستدعاء ضغط فلسطيني بحت على الأطراف المنقسمة على حركة حماس التي تعطل المصالحة، ولكنها قمعت بقسوة هل يعني هذا تأبيد الانقسام تحت حراسة قوات أمنية وعسكرية ؟؟ والسؤال ما الذي تريده حركة حماس ؟ التي ما زالت تتحدث عن حوار التجربة معه طويلة ومريرة وفاشلة ؟؟

الأهم أن تدرك جميع الأطراف أن عصر الإقصاء ولى، ومن يعتقد أنه يمكن إقصاء حركة حماس في الضفة فهو واهم وعليه مراجعة تجربة النظام المصري والإخوان المسلمين، وتخطئ حماس حين تعتقد أن الشعب في غزة سيصبح كله مثلها على نمط واحد، فتجربة تنميط البشر حاولها أعتى الطغاة وفشلوا ورحلوا وبقيت الشعوب حرة كريمة، هذا وطن للجميع وخسارة أن قوى مسؤولة عن شعب لم تتوصل لهذه النتيجة بعد وإن تأخرت في فهم دروس التاريخ وكلفت شعبها فاتورة من الدم والعظم، فالمصالحة قادمة لا محالة، لأن الانقسام عكس كل قوانين الطبيعة والتاريخ

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: