شباب 15 آذار : ثورة إنهاء الانقسام

شباب 15 آذار : ثورة إنهاء الانقسام

أيّا يكن ما سيحدث هذا اليوم، من تفاصيل البرنامج الذي وضعته المجموعات الشبابية التي نظمت هذا الحراك الشعبي الضاغط من أجل تحقيق هدف إنهاء الانقسام، ومن تطورات محتملة، خاصة مع السلطة المحلية، فإن هذا اليوم سيشكل مفصلاً مهماً جداً في تاريخ الفلسطينيين الحديث، تماماً كما فعل يوم الخامس والعشرين من كانون الثاني في مصر، والذي فتح الطريق لتغيير النظام المصري، الذي خلع الرئيس السابق الذي تربع على عرش مصر ثلاثين عاماً، في الوقت الذي وضع فيه حداً لنظام تم إرساء قواعده قبل ذلك التاريخ بنحو ستين عاماً.
فهذا اليوم سيثبت فيه الفلسطينيون أنهم ليسوا خارج دائرة العصر الحديث أو خارج دائرة الفعل أو الحراك الإقليمي على الإطلاق، هذا إن لم يكونوا أصلاً في مركزها، فعلى الرغم من كل شيء فإن لفلسطين ومنذ عقود قيادة ثم نظاماً سياسياً، كان جزءاً مطابقاً لنظام عربي، تشكل في ظل الحرب الباردة، وصار متخلفاً عن العصر بعد أكثر من عشرين عاماً على انتهاء الحرب الباردة، ودخول العالم عصر العولمة وثورة الاتصالات، وسيثب الطابع الشعبي للثورة الشبابية قلب جوهر النظام السياسي الفلسطيني التقليدي ــ بشقيه الرسمي والمعارض وبينهما الممانع ــ لأن الثورة هذة المرة تصنعها المجاميع الشعبية على عكس ما كانت تفعله النخب الثورية في ثورة التحرر عن الاستعمار التي شهدها العالم العربي قبل أكثر من نصف قرن.
وإذا كانت ثورة الشعوب العربية الدائرة رحاها خلال هذة الأيام قد وضعت حداً “لفزاعة” العدو الخارجي، حتى تتفرد الأنظمة الداخلية بالحكم المطلق، فإن الحراك الشعبي الفلسطيني خلال الشهرين اللذين مضيا، واللذين بحث خلالهما الشباب الوطني عن الشعار الموحد، نظراً لخصوصية الواقع الفلسطيني، حتى وجدوا ضالتهم في الشعار “الشعب يريد إنهاء الانقسام” هكذا دون تردد أو وجل.
وهكذا استوت معادلة الكفاح الوطني بعد أن دمجت بين الفاعل الداخلي والفاعل الخارجي، ولأن الشباب هم المحرك الرئيس لهذا الحراك العظيم، فإنهم بدخولهم مركز دائرة الفعل السياسي / الوطني، قد تجاوزوا كل برامج الفصائل السياسية التي ظلت أسيرة الماضي، بهذا القدر أو ذاك، وظلت أسيرة التجريد السياسي العام، بعدم قدرتها على صنع برنامج المستقبل.
قد لا نبالغ إن قلنا إن فلسطين بالذات أحوج من غيرها إلى صنع برنامجها ارتباطاً بالمستقبل، حيث فلسطين ظلت حتى اللحظة “دولة” غير قائمة في الواقع الحاضر، لذا فإن إقامتها لابد أن تكون في المستقبل، حيث لن تنجح محاولة إقامتها إلا إن كانت خطة إقامتها تدرك في العمق والجوهر طبيعة وشكل المستقبل.
تذهب إذاً هذه الثورة بالفلسطينيين على طريق تحقيق أحد أهم الشعارات التي عجز عن تحقيقها النظام العربي القديم “النظام الوطني” نظام حكم الفرد الذي نجم عن ثورة حركة التحرر العربي، ومن ضمنه النظام الفلسطيني، الذي تأطر في إطار (م.ت.ف) وما تطور إليه من سلطة فلسطينية، وصلت إلى أسوأ أشكالها، بانقسامها إلى سلطتين، تقفان حجر عثرة في طريق تحرير الفلسطينيين وتحقيق هدفهم المركزي المتمثل بإقامة الدولة الفلسطينية. كما تذهب إلى تجاوز حتى الهدف الذي “أجمعت عليه” فصائل العمل السياسي التقليدية، بتوحيد الفلسطينيين في الداخل والخارج، وهو الهدف والشعار الذي “أسقطته” برامج هذه القوى طوال السنين الماضية، ويؤكده الحراك الذي لا يقتصر الآن على “نصف” الفلسطينيين المقيمين فقط في الضفة وغزة، ويشمل هذا اليوم أيضاً فلسطيني الـ48، والشتات، بعد أن يصل حراك 15 آذار الى 15 أيار القادم، وهكذا يتطور الحراك وبرنامجه الكفاحي، ليتجاوز، برنامج إقامة دولة الضفة والقطاع ويشمل حق العودة، بإقامة “أول” حراك كفاحي فعلي من أجل هذا الهدف، الذي يضع في إطار فعله طاقة الملايين الفلسطينية العشرة، ولا يقتصر على نصفهم، المقيم في أرض “دولة الضفة والقطاع”.
وهذا يؤكد أهمية هذه الثورة ومشروعيتها، حتى ونحن نرى مشاركة بعض القوى والفصائل التقليدية فيها.
ولأول مرة يدخل الفاعل الذي كان ناقصاً طوال الفترة الماضية، على طريق جهود إنهاء الانقسام، والتي كانت مقتصرة على “مجمع” الفصائل التي ظلت تتحكم وحدها ودون رقابة تقريباً أو دون تأثير مباشر وحاسم من المستوى الشعبي، وكان تأثير ارتباطات هذة القوى بحلفائها وعلاقاتها الإقليمية والدولية معطلاً ومانعاً لتجاوز هذا الفصل المقيت من تاريخ الثورة الفلسطينية المعاصرة. شباب 15 آذار، إذاً، يصنعون اليوم ثورة داخل الثورة، هي ثورة تفعيل وتصحيح للفعل وللبرنامج.
لذا فإنه لا يمكن القول إن “القيادة” التقليدية تنظر بعين الرضى أو الترحيب بهذه الثورة، وإن كانت مواقفها تتراوح بين مناهض لها “على مستوى السلطة في غزة وإلى حد ما في الضفة” وبين قوى تسعى إلى أن تجعل منها ورقة ضغط، تنهي الانقسام، دون إحداث الثورة الشاملة في الوعي والفعل السياسي القائمين.
من الواضح أن سلطة غزة ترى في هذا الحراك فعلاً موجهاً ضدها، على أساس أنها هي سلطة الانقسام أصلاً، والذي أحدثته بانقلابها في حزيران 2007، ثم حافظت عليه من أجل تكريس نفسها كنظام سياسي أو على الأقل كشريك أساسي في النظام السياسي، فيما سلطة فتح في رام الله تريد لهذا الحراك أن يبقى عند تخوم إنهاء الانقسام دون إحداث الثورة داخل النظام، أي أنها تريده ليس أكثر من تظاهرة سياسية، فيما قوى اليسار تريد له أن ينهي الانقسام وأن يحدث شراكة جماعية للنظام القائم، وهكذا فإن جميع هذه القوى، من حماس إلى اليسار مروراً بفتح، ربما تفضل حراكاً على طريقة ثورة الحرية في الخليج، أي تحدث إصلاحاً في النظام القائم، هو أقل من الثورة الشاملة التي تسقطه على طريق إقامة نظام جديد بالكامل.
يمكن القول إذاً إن الحدث بحد ذاته يضع حداً “لتفرد” القوى التقليدية المكونة للنظام القديم، ويفتح الطريق واسعاً لتحقيق هدف وطني مركزي، هو إنهاء الانقسام، لكن تداعياته وتفاعلاته ستتجاوز ذلك على طريق إحداث ثورة شاملة في طبيعة وجوهر البرنامج الوطني الذي سار عليه الفلسطينيون نصف قرن دون مراجعة أو تعديل أو تطوير، وفي طبيعة أدواته المنفذة، والتي تشمل هذه المرة كل الفلسطينيين مرة واحدة، وليس بالتتابع أو “بالقطاعي” كما كان يحدث دائماً في السنوات الماضية.
Rajab22@hotmail.com

رجب ابو سرية

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: