شباب غزة بين الغليان والثورة

شباب غزة بين الغليان والثورة

اذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر.. قبل ثمانية عقود خلت زمن استعمار الشعوب العربية، من تونس صدح بيت الشعر هذا على لسان الشاعر أبي القاسم الشابي؛ فانطلقت الثورات العربية لتتحرر من قيد الاستعمار الأجنبي، وصارت هذه الأنشودة في فم المواطن العربي من المحيط إلى الخليج حتى عصرنا هذا.. ومن تونس أيضا خرجت ثورة الشاب محمد البوعزيزي لتسقط نظاما دكتاتوريا مستبدا نهب خيرات بلاده ومقدرات شعبه على مدى عقدين ونيف تقريبا مخلفا وراءه الجهل والفقر والتخلف والجوع والموت بحثا عن الهجرة.. وتوالت بعدها الثورات العربية، فسقط بعدها أقوى نظام عربي عرفه التاريخ المعاصر ألا وهو نظام مبارك في جمهورية مصر العربية الذي استبد بالحكم أيضا ثلاثة عقود ليغرق معظم شعبه في الجهل والتخلف والفقر والجوع محملا بلده ديونا لا طائل لها وهجرة للعقول المبدعة، وللأسف الشديد هذان الدكتاتوريان كما باقي الدكتاتوريات العربية كانا يعملان على توريث نظامهما لأبنائهما أيضا.! وتوالت بعده الثورات في كل من اليمن وليبيا، وهاهما النظامان يترنحان ويتهاويان ولا بد لهما إلا أن يغيبان عن الوجود.. ولا نعرف بعدها دور البلد أو البلدان التي ستنطلق فيهما ثورات الشباب التي انسدت أمامهم سبل العيش الكريم.. وبعد ثمانية عقود أو أقل لتخلص الشعوب من الاستعمار الأجنبي يتضح أنه لا فرق بين المستعمر أو الدكتاتور الحاكم؛ فالمستعمر يسرق خيرات البلد المستعمر ويستعبد الشعوب لتترنح في المعاناة وقسوة العيش، وكذلك الدكتاتور فهو يسرق خيرات بلده ومقدرات شعبه ليتركه يترنح بين الحياة والموت، وبالطبع للمستعمر أعوانه وعملائه الذين يخدمونه ويدافعون عنه مقابل رفاهيتهم الدنيئة على حساب إخوانهم وأهلهم، وكذلك نظام الدكتاتور له خدمه وأعوانه المستفيدين والفاسدين على حساب بقية الشعب.. ومن حقنا أن نتساءل كيف لبلد مثل الهند أو اليابان نالا استقلالهما بين عامي 1945 و 1950 أي في نفس الفترة التي استقلت فيها مصر وبعض الدول العربية، علما بأن مصر كانت تمتلك من الثروات الطبيعية والكادر البشري أفضل بكثير من اليابان أو الهند، لكنه أين مصر اليوم؟ وأين اليابان أو الهند من حيث الثروة ورفاهية شعوبهما واستقرارهما؟؟

معاناة الشباب الفلسطيني في غزة لا تقل عن معاناة الشباب العربي في دول الاستبداد والدكتاتوريات التي بدأت تتهاوى واحدة تلو الأخرى، بل إن الشباب الغزي بشكل خاص والشباب الفلسطيني بالعام أكثر معاناة وقسوة من الجميع فهو مازال تحت نير الاحتلال ويدفع من دمه وماله يوميا ثمنا لحريته وكرامته، بل ثمنا لكرامة العرب جمعاء .. وها هو يحمل على كاهله عبءً كبيرا يبدأ بالتخلص من الانقسام الذي أعاق كثيرا التحرر والاستقلال ولو على جزء صغير من فلسطين.. غزة التي تحكمها حركة حماس كانت ترفع شعارا لتحرير فلسطين من النهر إلى البحر لتقيم إمارة إسلامية تمهيدا لدولة الخلافة.. هذه الفئة قامت بانقلابا عسكريا دمويا على المشروع الوطني أو على مشروع السلطة الوطنية الفلسطينية وقتلت من الشباب ما لا يقل عن سبعمائة شاب وجرح المئات منهم، وبعد فترة وجيزة نتيجة لسياستها الهوجائية والظلامية جرت غزة لحرب ضروس مع إسرائيل دفعت غزة ثمنا لها ما يقارب ألفا وخمسمائة شهيد معظمهم من الشباب وآلاف من الجرحى أيضا ناهيك عن الدمار الهائل الذي خلفته الحرب والذي لا يقدر بثمن في المنشآت والمباني والحقول الزراعية.. والمهم أن هذه الفئة بقيت ترفع شعار المقاومة وتتغنى به موهمة شعبها والشعوب الصديقة بأنها ما زالت تقاوم الاحتلال، لكن الحقيقة غير ذلك.. فصارت المقاومة أو إطلاق الصواريخ من غزة إلى إسرائيل عملا غير وطنيا، وصارت حكومة حماس في غزة الحارس الأول لحدود إسرائيل مع غزة إلى درجة أنها قتلت شبابا واعتقلت العديد منهم يتبعون تنظيمات أخرى كانوا يقومون بإطلاق الصواريخ أو يفكرون بالمقاومة..! إلى غير ذلك ما قامت به حماس على مدى أربعة سنوات لم يكن في صالح الشعب الغزي ولا في صالح شبابها.. وبدلا من التخفيف عن كاهل الشعب في ظروف معيشة صعبة وأسعار باهظة جدا راحت حكومة حماس تجبي الضرائب والجمارك ورسوم الخدمات من الجميع دون استثناء، في الوقت الذي قررت فيه حكومة السلطة الوطنية الفلسطينية  إلغاء الضرائب والرسوم من أهالي غزة، وعلى سبيل المثال لا الحصر في مجال الصحة إذا كانت الحكومة الفلسطينية تدفع كل التكاليف من أدوية ومعدات ورواتب، تقوم حكومة حماس التي تسيطر على غزة بجباية رسوم لكل نوع دواء يقرره الطبيب، وكذلك تجبي رسوما من كل خدمة صحية مثل التحاليل والأشعة وغيرها وكل ذلك من أصحاب التأمينات الصحية أما من لا يملك تأمين صحي فلا علاج له، ومن يتفحص جيدا سيجد أن شريحة الشباب بأكملها لا تمتلك أي نوع من التأمينات الصحية، لأن التأمين الصحي يعزل من هو فوق عمر الثمانية عشر من دفتر الأسرة.. هذا حال المجال الصحي فما بالكم في المجال التعليمي فالذي لا يملك المال لا يمكنه دخول الجامعة أو أي معهد إذ من المعروف أن جامعات غزة هي بالأصل مشاريع وشركات ربحية.. أما المجالات الأخرى فحدث ولا حرج ويكفي أن الشباب ترى بأم عينها كيف نهبت الأراضي، وكيف أصبحت تكريس الأموال في أيدي أناس أصبحوا بين ليلة وضحاها أغنياء ويمتلكون ما يمتلكون من فلل وشقق وسيارات فاخرة.. وهم بالكاد يحصلون على لقمة العيش…

إذن بات الشباب الغزي وكل الشعب في غزة يعاني كثيرا، حيث لا عمل ولا وظائف ولا طرق مفتوحة أمامهم في ظل معيشة غالية ومكلفة جدا، وأصبح لا أمل في الأفق بنهاية الانقسام المقيت والمخزي.. أمام زخم الأحداث في ليبيا الثائرة وكذلك شباب اليمن والبحرين، ونجاح الشباب في تونس ومصر هاهي شباب غزة ترفع صوتها عاليا تحت شعار ‘ الشعب يريد إنهاء الانقسام ‘ وانضم إليهم الشباب الفلسطيني في الضفة وفي الشتات أيضا، ولعل شعار إنهاء الانقسام يحمل في حيثياته الكثير أولها ‘ إنهاء الاحتلال’ ومن ثم انتخابات ديمقراطية عصرية في دائرة واحدة والتبادل السلمي والسلس للسلطة، وكل ذلك لتوفير العيش الكريم للمواطن الفلسطيني كي يمارس حياته بحرية ويشارك العالم انجازاته الحضارية.. فهل يعي المسئولين والمنقسمين مطالب الشباب الفلسطيني؟ أم أنهم لا يسمعون، ولا يرون ما يجري وما يدور.. في كل الأحوال لن تكونوا أقوى من الأنظمة العربية التي انهارت أمام عزيمة وإرادة الشباب العربي… فإلى الأمام يا شباب فلسطين فنحن وكل الأحرار والشرفاء معكم، وليكن الخامس عشر من آذار يوما لإنهاء الانقسام وتحقيق الأحلام…

  • · كاتب فلسطيني- قطاع غزة

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: