هل هو زمن تداعي النظام العربي؟ د. عبد المجيد سويلم

هل هو زمن تداعي النظام العربي؟

د. عبد المجيد سويلم

اعتقد البعض ان أحداث تونس هي مجرد قضايا مطلبية محلية الطابع، وان أقصى ما يمكن ان تصل اليه هذه القضايا المطلبية هو الحصول على “ضمانات” معينة للحد من معدلات الفقر والبطالة. وعندما تحولت شعارات الحركة الجماهيرية التونسية نحو الأبعاد السياسية اعتقد هذا البعض ان هذا التحول من شأنه ان يفرض نفسه على الواقع التونسي بواسطة جملة من الإصلاحات السياسية التي من شأنها ان تضع حداً لسياسة القبضة الحديدية في أبعد الاحتمالات، أما انعكاسات الحركة الجماهيرية التونسية على بقية بلدان العالم العربي، وانتقال عدوى الحراك الجماهيري، وتحول القضايا المطلبية الى قضايا سياسية، وانتقال المطالب السياسية من دائرة الاصلاح الى دائرة التغيير، ومن دائرة التغيير الى دائرة إسقاط النظام السياسي، والدخول الى مرحلة تاريخية جديدة تتمثل في إعادة بناء الدولة العربية على أسس ديمقراطية جديدة… فقد بدت وكأنها (أي هذه الانعكاسات) خارج التوقع بل وخارج نطاق الاحتمال.
أما لماذا لم يصدق الناس (أو بعضهم على الأقل) ان من شأن هذه التحركات ان تصل الى ما وصلت اليه اليوم في مصر وان من شأنها ان تصل بالامور في مصر نفسها الى ما هو ابعد مما وصلت اليه في تونس… فإن ذلك يعود بالأساس الى عدم ادراك العلاقة العضوية التي باتت تربط ما بين القضايا المطلبية والقضايا السياسية والعلاقة العضوية المتبادلة التأثير ما بين فشل مشروع التنمية وما بين سياسة القبضة الحديدية وما بين فشل مشروع الديمقراطية ومشروع العدالة الاجتماعية.
وما لم يتم وضع آليات فعالة وفورية وما لم يتم تحويل هذه الآليات الى حصيلة سياسية للشراكة الوطنية القائمة على قواعد ديمقراطية دستورية راسخة، فإن هذه الحركة الجماهيرية ستنتقل الى معظم البلدان العربية وستفعل فعلها في هذه البلدان حسب الظروف الخاصة والعوامل المحيطة باللحظة السياسية الملموسة.
الدولة العربية التسلطية في طريقها الى النهاية. والنهاية ستختلف باختلاف درجة الاستجابة ونوعية الاجراءات الوقائية العاجلة ودرجة تنظيم الحركة الجماهيرية، ولن يغير هذا الواقع اية محاولات للمراوغة وكسب الوقت ومحاولات الالتفاف على مطالب الجماهير الشعبية التي كسرت حاجز الخوف واكتشفت الطاقة الهائلة التي تختزنها والإمكانيات الكبيرة التي يمكن ان تواجه بها الآليات القديمة للدولة التسلطية العربية.
والدولة العربية التي ستصمد هي فقط الدولة التي ستستجيب لحركة الشارع وتعلن عن استعدادها للتحول الديمقراطي وفق خطوات توجيه ثابتة باتجاه اعادة البناء الشامل والتحول الحقيقي نحو عصر الديمقراطية ونحو مرحلة بناء الدولة الحديثة على قواعد راسخة.
ولأن مصر تحتل في العالم العربي المكانة التي احتلتها دائماً، ولأن مصر ما زالت بالرغم من كل الهزال الذي أصابها على مدى عشرات السنين الماضية هي قلب هذه الأمة وقيادتها، فإن التحولات التي تشهدها مصر اليوم هي بمثابة القاطرة التي ستجر العربات العربية كلها. لم تشهد مصر حركة جماهيرية بالحجم الذي تشهده اليوم منذ ثورة الـ (19) ولم تشهد حراكاً بمستوى من هذا النوع منذ تأميم القناة، ولم تشهد الدولة المصرية هذا التحفز نحو تحولات تاريخية منذ محمد علي ومنذ عبد الناصر الذي أرسى الدولة المصرية على أساس نمط خاص من العدالة الاجتماعية، وعلى أساس قيادة التحرر القومي الشامل، تماماً كما كان محمد علي قد استغل التناقضات التاريخية وظفر باللحظة التاريخية المواتية لتحديث الدولة بصورة شاملة وبناء مقوماتها الصناعية والعسكرية بما يكفل القدرة على كامل المحيط والهيمنة عليه.
ومنذ نهاية الستينيات وحتى يومنا هذا وعلى الرغم من كل الزلازل والاعاصير التي غيرت من وجه العالم وعصفت به وأطاحت بالكثير من قلاعه وحصونه وتجاوزت ما كان يعتبر من مسلمات الواقع التاريخي وخصوصاً في العقدين الأخيرين، وعلى الرغم من كل ما ترتب على الثورات الديمقراطية وعلى نتائج الثورة العلمية وثورة الاتصالات وما أحدثته في بنية الوعي لدى الشعب العربي أسوة ببقية شعوب الارض.. على الرغم من كل ذلك ظلت الدولة العربية على نفس الأنماط السلوكية وعلى نفس الأنساق الادارية وعلى نفس مستوى الاداء مقروناً بحرمان المواطن من حقه في المواطنة الحقيقية وفي المشاركة السياسية ومن حقوقه الطبيعية في حرية الرأي والتعبير والتنظيم، الى أن استفاقت على هذا الزلزال الذي يجتاح هذه المنطقة التي ظلت راكدة لمدة تزيد على الثلاثين عاماً من الهدوء المضلل.
لا يوجد للدولة العربية ما يغفر لها أمام حركة الشارع ولا يوجد للدولة العربية ما تدافع بها عن نفسها أمام الحقوق التي انتهكت وأمام الفرص التاريخية التي ضاعت وأمام الحرمان الذي تحول الى السمة الشاملة في عموم هذا الوطن الكبير.
الاغلبية الساحقة في هذا الوطن ليسوا نسبة التسعة والتسعين التي فاز بها معظم الرؤساء العرب. والغالبية الساحقة ليسوا الذين تصورهم وسائل الإعلام وكأنهم قطيع خانع او مدجّن و”قانع”. الاغلبية الساحقة من الناس في طول هذا الوطن الكبير وعرضه هم الذين صمتوا لفترة طالت اكثر من اللازم وامتدت الى حيث لا يجب على الإطلاق.
الاغلبية الساحقة هم الفقراء وهذه هي الاغلبية الوحيدة التي أفرزتها التجربة التاريخية للدولة العربية الراهنة. أما باقي الاغلبيات فهي الوهم الذي صنعته الدولة العربية، وها هي تختنق بهذا الوهم الذي ظنت انه الحقيقة الثابتة في تاريخ هذه الدولة.
النظام العربي تقادم الى درجة الوصف وضعف الى درجة الهوان.
الشارع العربي الجديد شارع ضاق ذرعاً بالنظام العربي وضاق ذرعاً بالقوى السياسية التي ارتضت بهذا الهوان وهاودت في الدفاع عن حقوق هذا الشارع وساومت على لقمة عيشه وعلى حرياته وحقوقه وتساوقت مع هذا النظام.
والشارع العربي يفتقد اليوم للقيادة التي تستثمر طاقته الهائلة من أجل الانتقال السلس نحو الدولة الديمقراطية الحديثة، ولهذا فإن تكلفة تداعي النظام العربي ربما تكون اكبر بكثير مما تبدو اليوم وربما اكبر من قدرة الشارع على الخروج منتصراً في هذه المعركة.
النصر قادم والنصر ممكن ولكن الثمن ما زال غير محدد الملامح الا اذا عرف هذا الشارع كيف يعبر هذه المرحلة الانتقالية دون ان يتراجع عن الهدف ودون ان تكون الخطوات نحو هذا الهدف قد تحولت بالفعل الى وقائع ثابتة.
الاصلاح الدستوري هو المدخل المناسب، الاصلاح الذي يفضي الى تداول السلطة هو معيار النجاح وليس أي شيء آخر.
النظام العربي يتداعى، وكل حفنة ديمقراطية في هذا الوطن الكبير هي بمقياس هذه الايام الذخيرة الوحيدة التي يمتلكها هذا البلد او ذاك، أما ما عدا ذلك فوهم خالص.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: