تحليل: حسنا فعلت الجزيرة

رام الله -القدس توك- قد يمضي بعض الوقت قبل أن تدرك قناة الجزيرة أن ما قالت أنه كشفا لأسرار المفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية، لن يؤدي إلى الهدف الذي رسمته هذه الفضائية لنفسها، على المستوى الفلسطيني وأن كشفها للمستور كما تقول، ما هو إلا كشف للدور الحاقد ضد السلطة الفلسطينية في الحرية والاستقلال وبناء الدولة الفلسطينية.

الشعب الفلسطيني، الذي تمرغ في ديمقراطية تتجاوز الدول المجاورة، ونعم بحرية الرأي والتعبير في المناطق التي تسيطر عليها سلطته الوطنية، متعدد الاتجاهات والمواقف والآراء، ولديه الجرأة لطرح أفكاره التي تتعارض أحيانا مع سلطته، وهو حق مكفول ليس فقط بحكم الدستور ‘القانون الأساسي’، ولكن بالتجربة العملية، فليس هناك حجر على الأفكار والآراء إلا إذا مع العنف والتكفير، وبحكم هذا النهج، تعددت الآراء والمواقف، وهو ما تحسدنا عليه الديمقراطيات التقليدية، خاصة بعد إنجاز الانتخابات التشريعية الأخيرة.

وفي ظل هذه التعددية، انقسمت الآراء والسياسات والمواقف، ترتفع وتيرتها حينا وتعود إلى وصفها الطبيعي حينا آخر، ما فعلته الجزيرة، وكان يقصد منه من بين مجموعة الأهداف إثارة الرأي العام الفلسطيني ضد سلطته الوطنية، ما حدث، لم يكن بحساب هذه الفضائية التي وضعت نصب أهدافها، إثارة الفتنة والقلاقل في الداخل الفلسطيني لحساب كل ما هو معاد للشعب الفلسطيني، سواء كنتيجة للانقسام وسيطرة حركة حماس على غزة، أو لحساب المشروع الإسرائيلي الذي أخذ بالانحسار بعد تزايد الدول التي اعترفت بالدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من حزيران وعاصمتها القدس، وكإنقاذ لإسرائيل من عزلتها بعد أن تقدمت السلطة الوطنية إلى مجلس الأمن بمشروع قرار لإدانة الاستيطان، ما فاجأ هذه القناة الموتورة، هو أن الشعب الفلسطيني، المتعدد الآراء والأفكار والمواقف، توحد عند نقطة واحدة، وهدف محدد، وهو الوقوف معا، وليس خلف قيادته الفلسطينية لمجابهة الأخطار المحدقة التي حاولت هذه القناة استدراجها إلى الداخل الفلسطيني، من دون أن تفهم أن التعددية الفلسطينية، تتوقف عند الخطر المحدق بالقضية الفلسطينية، وأن الانتقادات التي توجه للقيادة من قبل بعض التوجهات الفلسطينية، لا تعمل لحساب أحد، كما تفعل قناة الجزيرة، وأن مرجعية كل الأطراف الفلسطينية الوطنية المتعددة واحدة، منظمة التحرير الفلسطينية وقيادتها، ذلك أن هذه الأطراف هي التي تعلم علم اليقين هذا الوضع الصعب والمأزق الحقيقي الذي نتج عن اختلال ميزان القوى لصالح إسرائيل مقابل المنظومة العربية، بما فيها منظمة التحرير الفلسطينية.

لقد عبر الشعب الفلسطيني، بكل أطيافه السياسية، عن ثقته الكاملة بقيادته ليس فقط من خلال المسيرات التي جالت كل الأنحاء تعبيرا عن هذه الثقة، ولكن أيضا بتجديد العهد، وبدعم الخطوات الصلبة التي اتخذتها قيادته بوقف الاستيطان وتجميده، كمقدمة لا بد منها لاستئناف العملية السياسية، وبذلك فإن الجمهور الفلسطيني حدد ثقته بالبرنامج السياسي الذي طرحه الرئيس محمود عباس في برنامجه الانتخابي الذي فاز على أساسه بالرئاسة.

ولا شك أن القيادة الوطنية، ستتخذ هذه النقطة وهذا الدعم وسيلة لشق طريق مفتوح، نحو بلوغ أهدافنا الوطنية، والتصدي لكل من يقف في طريقها مستلهمة التأييد. ليس من أحد بقدر ما هو يستمد من شعبها على اختلاف مشاربه السياسية وتعددية مواقفه وفصائله الوطنية في ظل دعوات مشبوهة لتدمير منظمة التحرير الفلسطينية وتعالت للانقضاض على أهم منجزات شعبنا الفلسطيني في تاريخ نضاله الطويل، متخذة مما نشرته الجزيرة، وسيلة لجرح ثقة شعبنا الفلسطيني بمنظمته وإنجازه الكبير.

لهذا وبالرغم من كل الآثار السلبية والأخطار المحدقة نتيجة لما نشرته الجزيرة من وثائقها، يمكن القول إنه حسنا فعلت هذه القناة، فقد كنا بحاجة أكثر من أي وقت مضى لتأكيد ثقة شعبنا بقيادته في أكثر مراحل نضال شعبنا تعقيدا وخطرا، وها هي الجزيرة، ومن حيث لا تدري ولا تهدف، حققت لنا مثل هذا الهدف بتوحيد صفوفنا خلف منظمة التحرير الفلسطينية، بيتنا الفلسطيني الوحيد، وملاذنا الأول والأخير، وطريقنا الذي لا بد منه لإقامة دولتنا المستقلة.

لقد ذابت الاختلافات والاعتراضات والتناقضات النسبية في الشارع الفلسطيني وفصائله الوطنية، التي أدركت بحكم تجربتها التاريخية، أن ما أقدمت عليه الجزيرة يهدف فيما يهدف إلى تعزيز الانقسام الفلسطيني، وتدمير منظمة التحرير الفلسطينية، والتوصل إلى نتيجة تؤدي إلى امتداد نتائج الانقلاب الدموي في غزة إلى الضفة الغربية وتعزيز مواقع الإسلام السياسي، ومساعدة إسرائيل في الخروج من عزلتها الدولية، وإسنادها للوقوف في وجه الخيارات الفلسطينية في مواجهة العقبات التي وضعتها لإفشال الحل السلمي من خلال المضي قدما في البرنامج الاستيطاني.

وقد يأتي يوم ليس ببعيد، كي تدرك قناة الجزيرة، أن الخنجر المسموم الذي لوحت به على عنق الشعب الفلسطيني وقيادته بات مسلطا نحوها على الأقل من قبل الرأي العام الفلسطيني الذي بات يدرك، مدى ما تشكله هذه القناة باستهدافاتها الحاقدة، ومن خطر على المشروع الوطني الفلسطيني.

ومن المؤكد أن الشعب الفلسطيني، الذي ما زال في مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية، والتحرر الوطني يدرك بطبيعته الوطنية أن هذه الثورة لم تحقق بعد أهدافها بقيام دولته الفلسطينية المستقلة، وأن الأداة الفعالة لتحقيق هذا الهدف هو من دون شك منظمة التحرير الفلسطينية، من هنا يجيء التمسك الذي لا حدود له من قبل الشعب الفلسطيني بمنظمته وقيادته الوطنية، وهو ما تعجز الجزيرة عن إدراكه، أن عقلية المؤامرة التي قادت الجزيرة ووثائقها المشبوهة، أنعشت الوطنية الفلسطينية من جديد.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: