تحليل إخباري: الجزيرة تعزز ‘الدفاع’ الإسرائيلي

رام الله – إنه التوقيت الأفضل بالنسبة لحكومة بنيامين نتنياهو، اليمينية المتطرفة فقد عادت في لحظة إلى الهجوم بعدما كانت في دائرة الدفاع، مع نجاح السلطة الوطنية الفلسطينية في عزلها إثر جملة الاعترافات المتلاحقة للدولة الفلسطينية كشكل من أشكال الاحتجاج الدولي على استمرار عرقلة إسرائيل لإطلاق العملية السياسية جراء مواصلتها للبرنامج الاستيطاني، وكذلك بعد أن استخدمت السلطة الوطنية أحد خياراتها عندما تقدمت من خلال المجموعة العربية إلى مجلس الأمن بمشروع قرار لإدانة الاستيطان، في هذه اللحظة بالذات أخذت قناة الجزيرة ما تسميه بالوثائق، ما دفع الجانب الفلسطيني إلى الانطلاق إلى دائرة الدفاع لدحض المزاعم والتلفيقات التي غابت عنها الحنكة، ناهيك عن الشفافية والمصداقية.

فكافة تفاصيل العملية التفاوضية مع إسرائيل، كانت السلطة الوطنية الفلسطينية تزود الجامعة العربية والحكومات العربية منفردة بها أولا بأول، مشفوعة بالوثائق والخرائط، وهنا يمكن التوقف عند تصريح الرئيس محمود عباس تعقيبا على نشر هذه الوثائق بعد اجتماعه بالرئيس المصري محمد حسني مبارك، قائلا إن في الأمر خلطا متعمدا، ونعتقد أن ذلك يشرح ويفسر ما جرى فعلا، فهناك خرائط وهي صحيحة تماما، غير أن الأمر ينطوي على خدعة متعمدة، فالقول إن هناك تنازلا عن أحياء في القدس الشرقية من قبل المفاوض الفلسطيني لصالح إسرائيل، ما هو في حقيقة الأمر سوى تلك الأحياء التي طالبت بها إسرائيل، فقد تم قلب الاشتراطات الإسرائيلية وكأنها هدية تقدم بها المفاوض الفلسطيني، من هنا كان الخلط المتعمد الذي تحدث عنه بصراحة الرئيس محمود عباس، إذ انقلب المطلب الإسرائيلي وكأنه مطلب فلسطيني. هناك لعب بالألوان على الخرائط تم تسويقه من خلال تلفيق متعمد لقلب الحقائق.

ما يؤكد ذلك جاء من قناة الجزيرة ذاتها، ففي 28- 12 2010 وفي برنامج  ‘لقاء اليوم’ أجرى الزميل وليد العمري مدير مكتب القناة في فلسطين لقاء مع د. صائب عريقات رئيس دائرة المفاوضات في منظمة التحرير الفلسطينية، وتم نشره مكتوبا في 31-1- 2010 على موقع ‘الجزيرة نت’، ويتضح من خلال الحوار أن هناك مطالب إسرائيلية محددة بخرائط، يتبين أنها نفس ما نشرته مؤخرا القناة، باعتبار هذه الخرائط هي تنازلات فلسطينية بضم أحياء من القدس الشرقية إلى إسرائيل، وهناك نقاش مطول حول هذا الأمر إلى جانب أمور أخرى، وبالمقارنة بين ما جاء على لسان عريقات وما جاء في وثائق الجزيرة، يتضح بما لا يسمح بأي درجة من الشك، أنه تم قلب الحقائق بشكل متعمد، وأن ما قيل عن موافقة فلسطينية عن أحياء في القدس الشرقية للتنازل عنها، ما هو في الأصل سوى رفض فلسطيني للخارطة التي تقدم بها المفاوض الإسرائيلي بضم هذه الأحياء في القدس الشرقية إلى دائرة السيطرة الإسرائيلية.

ومن موقع ‘الجزيرة نت’ أيضا، في 25– 12-2000 نقرأ تحت عنوان ‘براك يوافق على مقترحات كلينتون إذا قبلها الفلسطينيون’ أن الجانب الإسرائيلي ‘تنازل’ عن معظم القدس الشرقية مع الاحتفاظ بالسيادة على الحي اليهودي وجزء من الحي الأرمني في القدس القديمة، وهو ما تم رفضه من الجانب الفلسطيني. العودة للجزيرة نت كمصدر لهذه المعلومات، يشير إلى ما جاء بالوثائق التي نشرتها الجزيرة تحت عنوان ‘كشف المستور’ ما هو سوى خرائط المطالب الإسرائيلية التي سبق أن رفضها المفاوض الفلسطيني من العام 2000 وحتى الآن.

وإذ يجهد الجانب الفلسطيني إلى تحقيق تسوية سياسية أكثر إنصافا وعدلا تستجيب لتطلعات الشعب الفلسطيني في الحرية والاستقلال وإقامة دولته المستقلة على حدود الرابع من حزيران عام 1967، وفي ظل الظروف القاهرة وتوازن القوى المختل لصالح الدولة العبرية، فإنه رهن أي اتفاق نهائي يتمخض عن التسوية السياسية لاستفتاء شعبي، وبالتالي فإن السلطة الوطنية تدرك أن أي تسوية سياسية تتضمن تنازلات جوهرية كتلك التي لفقتها قناة الجزيرة، لن يتم الموافقة عليها نتيجة هذا الاستفتاء، وهو ما ينفي ما يشاع حول هذه التنازلات حتى في حال توفرت الرغبة لدى المفاوض الفلسطيني لإبداء مثل هذا التنازل، لأسباب موضوعية تتعلق بضرورة قبول الشعب الفلسطيني الذي سيقول رأيه حول أي اتفاق محتمل بنتيجة التسوية السياسية.

ويلاحظ من خلال متابعة ما جاء في الوثائق المزعومة، وكأن المفاوض الفلسطيني كان يتفاوض مع نفسه، إذ ليس هناك موقف إسرائيلي، أو رد من قبل المفاوض الآخر إلا ما ندر، وحتى تقديم مثل هذه ‘التنازلات’ لم يكن هناك رد أو تعقيب أو رفض أو موافقة أو تعديل، باستثناء تقدم الجانب الإسرائيلي بشروطه ومطالبه.

هذا لا يعني بالضرورة أن الوثائق ليست حقيقية بالمجمل، فالتحقق من ذلك يستوجب التدقيق والتمحيص إلا أنها أخضعت لعملية تقديم بحيث يتم التحايل من قبل الجزيرة على المشاهد، يتم من خلاله تشويه المضمون الفعلي وقلب الحقائق وهو ما تحدث عنه الرئيس محمود عباس باعتباره شكلا من أشكال الخلط المتعمد.

ولم نحاول هنا الاستنجاد بالتعليقات الإسرائيلية التي جاءت بالمجمل مشككة بصحة هذه الوثائق، كون الجانب الإسرائيلي اعتبر الرئيس عباس عقبة أمام إطلاق المفاوضات، بل طالبت بقتله واغتياله، ويكفي الإشارة إلى أن إذاعة الجيش الإسرائيلي عقبت على الأمر بالقول ‘عباس الآن يدفع ثمن رفضه العودة للمفاوضات’.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: