الحالة التونسية: الدور المريب لشيخ ‘الجزيرة’

اشرف العجرمي

سيبقى العالم العربي والعالم المتحضر شادهاً أمام الانتفاضة الشعبية التونسية لفترة طويلة قبل ان يستوعب الجميع ما حدث فعلاً وكيف انهار حكم تميز بقوته وإحكام سيطرته في ظل وجود معارضة ضعيفة لم تكن قادرة على تحريك الشارع ودفعه نحو الانتفاض والثورة. وهنا يثبت الشعب التونسي انه يسبق قيادات أحزابه في وعيه وفي قدرته على التقاط اللحظة، وايضاً في حضاريته التي جسدتها هذه الانتفاضة بعيداً عن تعميم الفوضى والعنف الدموي الذي يرافق في العادة ثورات من هذا النوع. وبطبيعة الحال لم تخل تونس من بعض اعمال الفوضى المحدودة ولكنها كانت اقل بكثير مما يحدث عادة او مما توقع لها أعداؤها او المتربصون بها.

ولعل الإسراع في تشكيل حكومة وحدة وطنية تضم شخصيات من الحزب الحاكم ومن أحزاب المعارضة الموجودة في تونس ومن النقابات من اهم الخطوات التي من شأنها اعادة الأمن والاستقرار الى تونس ونقلها بخطى سلسة نحو مرحلة جديدة من الديمقراطية والانفتاح.

ولا شك ان تشكيل الحكومة الجديدة برئاسة محمد الغنوشي وهو رئيس الحكومة السابقة وأحد الخبراء في الاقتصاد يعتبر اختياراً موفقاً ليس فقط لأنه رجل تكنوقراط ويده نظيفة وسمعته طيبة كخبير بل لأن هذا يتيح انتقال السلطة بصورة مريحة دون إحداث تدمير لإنجازات النظام السياسي التونسي وهي انجازات مهمة للشعب بأسره ولا يجوز القضاء عليها تحت تأثير الغضب او ردات الفعل او دعوات الانتقام التي تصدر عن بعض الجهات المتطرفة والعبثية داخل تونس وخارجها. فبالرغم من كل ما يمكن ان يقال في النظام السابق من قسوة وقمعية وبوليسية، الا انه استطاع ان يحقق مكاسب كبيرة ومهمة على اكثر من مستوى وصعيد جعلت تونس بلداً مستقراً ومتحضراً وآمناً بالقياس مع دول عربية كثيرة اخرى. ويسجل له انه وضع قانون احوال شخصية متحضراً للغاية بل الاكثر تطوراً في العالم العربي، يساوي بشكل كامل بين المرأة والرجل في كل الميادين ويمنع تعدد الزوجات.

كما ان تونس استطاعت من خلال استقرارها وانجازاتها على مستوى السياسة الداخلية ان تجلب استثمارات اجنبية كبيرة ساهمت في خلق فرص عمل كثيرة للشباب التونسي. هذا بالاضافة الى حجم السياحة الاجنبية الكبير الذي يزيد عن 14 مليون سائح سنوياً، وهو ما يزيد من الدخل القومي التونسي بصورة كبيرة ويسهم في زيادة العمالة في قطاعات الخدمات السياحية المختلفة.

تونس الآن بحاجة الى دمقرطة حياتها الداخلية والبناء على الإنجازات التي تحققت بفعل جهود وعرق أبناء تونس، وهذا في اطار العمل على القضاء على كل اشكال الفساد الاداري والمالي، حتى تتحقق الاستفادة القصوى والأمثل من هذه الانتفاضة الشعبية التي لا شك ستشكل انموذجاً يحتذى في هذه المنطقة.

كل الجهات في العالم العربي رحبت بما حدث في تونس على اعتبار انه خيار الشعب التونسي الشقيق، ولكن لكل طرف موقفه وأهدافه وربما أحلامه تجاه ما جرى. واذا كانت الشعوب العربية قاطبة قد سعدت بهذا النموذج وبعضها يحسد او يغبط الشعب التونسي كونه كان سباقاً ولأنه حقق ما تطمح اليه شعوب اخرى منذ زمن بعيد، فهناك جهات تتمنى ان تنقلب الامور في تونس باتجاهات مختلفة غير الوجهة التي ذهب اليها التونسيون العقلاء.

قناة ‘الجزيرة’ القطرية لعبت دوراً مهماً في تغطية أحداث تونس الاخيرة حتى قبل أن تبدأ الانتفاضة، ولكن منطلقاتها كانت تذهب بعيداً الى غير ما جرى وما يتمناه الشعب التونسي، هي سعت لتشجيع الفوضى، وحرضت على الحزب الحاكم باعتباره اساس البلاء ويجب القضاء عليه، تماماً كما حصل في العراق عندما سن قانون اجتثاث حزب ‘البعث’ ودخلت البلاد في فوضى قد لا تخرج منها خلال عقود. ولم تكن ‘الجزيرة’ على الاطلاق تتحلى بأي موضوعية وهي تغطي وتتابع وتحرض في الشأن التونسي.

وأكثر ما يلفت الانتباه هو دور شيخ ‘الجزيرة’ او ما يسمونه العلاّمة القرضاوي الذي خرج من ثوب الدين والفتاوى الدينية الى فتاوى سياسية مفرطة في تدخلها بالتفاصيل التي ربما سياسيون مخضرمون يعملون في هذا المجال طوال عمرهم لا يزجون أنفسهم بها.

لم يكتف القرضاوي بوصف الرئيس السابق زين العابدين بن علي بأنه الصنم الأكبر هبل، بل انه حرض على رجالات السياسة التونسيين وعلى رأسهم رئيس الحكومة الذي عمل بصورة عاجلة من أجل لملمة الموقف وتدارك الأخطار المحدقة بتونس إن هي دخلت في الفوضى التي ترغب بها كل الجهات المشبوهة داخلياً وخارجياً، فهؤلاء وصفهم ببقية الأصنام التي يجب الإطاحة بها، وإكمال المسيرة لا يتم – من وجهة نظره – إلا بإسقاط بقية رموز النظام ‘بعد أن سقط الطاغية’.

ربما يخجل القرضاوي وهو يتحدث عن مساوئ النظام السابق وطاغيته الذي يمنع الناس من التظاهر، عن ذكر النموذج الذي يريده والأكثر ديمقراطية من حكم زين العابدين بن علي. طبعاً هو يريد أن يسيّد راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة الإسلامية على البلاد. ونموذجه المفضل هو حركة ‘حماس’ التي قسمت الوطن الفلسطيني ولا تمنع فقط الناس من التظاهر ضدها، بل تحرمهم حقهم في الاحتفال بالاعياد الوطنية عدا عن القمع اليومي لكل من لا يقول سمعاً وطاعة لـ ‘حماس’ في كل شيء.

وهو نفس نموذج حكم الترابي والجماعة الاسلامية في السودان والذي قاد او كان السبب الرئيسي في انقسام السودان وفصل جنوبه عن شماله. او ربما يريد القرضاوي نموذجاً شبيهاً بالصومال حيث يتصارع الاسلاميون في حرب أهلية منذ سنوات طويلة للفوز بالسلطة. وهناك بلا شك نماذج كثيرة تعجب القرضاوي، ولكنها كلها لا تصل بأي حال الى مستوى حكم زين العابدين بن علي، فأي مصير يريد الشيخ لتونس وهو يقدم الإرشادات المريبة للشعب المنتفض؟

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: