ثورة الجبارين التونسية في غنى عن دعم جبابرة العالم

تونس – من رشيد خشانة – كُنتُ منهمكا في إعداد النشرة الموالية في غرفة الأخبار بقناة “الجزيرة” (التي درج الزملاء على تسميتها “نيوزروم”) لما خاطب أحد الزملاء، مازحا، زميلا عراقيا يجلس إلى جانبه قائلا “انظر إلى الشعب التونسي … لقد حرر نفسه من الدكتاتورية بدماء أبنائه وليس بالدبابات الأمريكية مثلكم”. ضحك العراقي وضحكنا جميعا، لكني شعرت في أعماقي بأن ذلك المزاح البريء كان ينطوي على ظلم كبير لشعب عظيم رأيت بأم عيني في زيارات عدة، أثناء سنوات الحصار العصيبة، حجم شموخه ومساحة إبائه التي لا سقف لها. مع ذلك دعنا نعترف بأن غالبية النخب العراقية (وليست كلها) جنحت إلى وضع بيضها في سلة القوى الأجنبية لكي تأتيها بالديموقراطية. ولكن لا هي أقامت لها ديموقراطية ولا استطاع العراقيون استرداد القرار منها إلى اليوم. 

بهذا المعنى أرست التجربتان التونسية والعراقية أنموذجين متضادين في الإنتقال إلى الديموقراطية. ومن المهم التأكيد هُنا على أن انتفاضة تونس لم تكن من أجل الخبز والوظائف وإلا لكانت توقفت بمجرد تلقي الوعود الأولى، لكنها ثورة الحرية بامتياز وفي جميع أبعادها. ثورة امتطى خلالها الشباب دبابة واحدة، وكانت من صنع محلي، هي مواقع الإنترنت والمدونات، رغم الإقفال والمطاردة والإعتقالات التي طاولت المدونين، خاصة في بداية الإنتفاضة. وإذا جاز لنا أن نقارن الكفة العسكرية في تونس بالمعارك الميدانية لاعتبرنا أن الجنرالات المُنتصرين في هذه الحرب، التي دامت شهرا، هم جنرالات المُدونين الذين هزموا الجنرال بن علي. إنه أنموذج جديد مُنطلق من رحم تربة ثقافية خصيبة تتميز بانتشارالعلم والتعليم والحذاقة في السيطرة على تقنيات الإتصال الحديثة، بدافع من وطأة الكبت وشدة الحصار.

ربما من حسن حظ التونسيين أن فرنسا الرسمية، بل وقسم واسع من النخب الفرنسية التي كانت حريصة في الماضي على البقاء قريبة مما يدور في تونس، لزمت صمتا ملفتا للنظر على مجازر لم تكن تحتاج إلى تقارير ديبلوماسية مادامت تُبث على الهواء. ونأت الديبلوماسية الأميركية ببصرها أيضا عما يجري في تونس الصغيرة، فلزمت الصمت طيلة 22 يوما قبل أن تنبس ببنت شفة… وحرصت أن يقتصر بيانها على الجوانب الإنسانية الحقوقية، من دون الإقتراب من جوهر الصراع، مخافة استثارة الغضب المألوف. كانت ترتعبُ من رد الفعل المحتمل من حكام على مشارف الإفلاس لم يحترموا شعبا كان يكتب مطالبه بدماء شبابه الزكية. ولعل واشنطن وبروكسيل وباريس كانت تحسب وتعاود الحساب لمعرفة احتمالات استثمار “المتطرفين” مثلما تُسميهم، من سقوط قلاع الإستبداد. لو تعلق الشأن بأحداث أهون من الإنتفاضة التونسية بكثير في إيران أو روسيا البيضاء، لهزت الإحتجاجات أركان “الإيليزي” وامتدت موجاتها الإرتدادية إلى “ماتينيون” وخلخلت “الكي دورساي”، ولارتفعت أيضا عقيرة الناطقين باسم البيت الأبيض والخارجية في واشنطن تُهدد وتتوعد الحكام. الحمد لله أن أحدا من هؤلاء لم يُقدم لنا عونا ولا مؤازرة، فلدينا من القوة النارية عشرات محمد البوعزيزي وحاتم بالطاهر وحسين الفالحي وطوابير من الشهداء جاهزة لبذل المزيد في سبيل الوطن.

شاهد العالم بأسره تلك الثكلى البطلة التي قالت أمام الكاميرا “هذا ابني الذي استشهد … ولدي أربعة آخرون…” من يستطيع الصمود أمام هذه القوة الجبارة التي تختزل عظمة شعب حذق، بحكمته الفطرية، كيف يختزن ويكظم ويصبر ويُمهل، ثم يُطلق العنان في اللحظة المناسبة لشلال الغضب الذي لا يرده قمع ولا يوقفه ترهيب باستخدام “الحزم .. الحزم” مُكررا أو حتى مثلثا. انهمرت دموعي مدرارة وأنا أستمع لتلك الثكلى كما لم تنهمر في حياتي. وبكيت بكاء مُرا وأنا أستمع أيضا لذلك الشاب المُلتاع وهو ينتحب إلى جانب جثمان صديقه، قائلا بصوت متهدج “عُمره لم يتجاوز العشرين … قتلوه ولم ير بعدُ من الدنيا شيئا… ماذا فعلنا لهم؟”. تذكرتُ فورا كلمة قالها الأخ أبو إياد (صلاح خلف) بعد أيام من وصول الفلسطينيين إلى ميناء بنزرت في أعقاب خروج المقاومة من بيروت في أيلول (سبتمبر) 1982، عندما عبرت له عن إحباطي من إبعاد القيادة الفلسطينية عن ساحة الصراع، فرد بلهجة الواثق “لا تخف علينا يا أخ رشيد… الفلسطينيون شعب الجبارين”. وأدركتُ اليوم أن التونسيين أيضا شعبُ جبارين. شعب صغير ظن العالم أن شوكته كُسرت نهائيا وأنه استكان فغدا بلا حول ولا قوة. لم يقرأ له أحد من جبابرة هذا العالم أي شأن فإذا به يُدوخهم ويُعطي دروسا في الشجاعة والإستماتة والإعتدال. نعم الإعتدال، فكل المسيرات والإحتجاجات كانت سلمية ولم تُصب أي مبنى رسمي أو منشأة خاصة بأي حصاة. لكن ما أن كانت قوات الشرطة تندفع إلى قمعهم حتى يردوا عليها بالحجارة ويهجموا على مقراتها لحرقها. أما تدمير البنوك والمتاجر والممتلكات الخاصة فواضح للجميع أنه كان من فعل فلول الحزب الحاكم السابق الذين سعوا لتشويه وجه الإنتفاضة المُشرق، متخفين وراء لثام قطاع الطرق.

من حسنات انتفاضة تونس المباركة أنها خفضت الأسعار في أكثر من بلد عربي ورفعت قليلا من العبء اليومي الذي تنوء به كواهل الفئات الفقيرة والمعوزة، مُشيرة بإيماءة أنيقة، وإن كانت مُخضبة بالدم الزكي، إلى اتجاه الطريق. وبهذا المعنى أيضا وجهت رسالة تحذير لكثير من الطغاة …

**

المشهد واضح تماما اليوم: شعب عقد العزم على رفع رأسه واستعادة سيادته على بلده وقراره ودولته، التي بناها بعرق رجاله ونسائه. شعب يقف على خزان من التضحيات بلا قاع. بن علي ورقة ساقطة إن لم يكن اليوم فغدا، لكن المسؤولية الأكبر في الأيام ستكون في قيادة الإنتفاضة نحو مرساة ديموقراطية متفردة في استقلالها ورسوخها وطهارتها، تكون مثالا تحتذيه شعوب مازالت ترسف في القيود مصداقا لقول الشاعر التونسي أبو القاسم الشابي :

ومن لم يرُم صعود الجبال يعش أبد الدهر بين الحُفر

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: