التدوين العربي…أفق حرية أم وهم حرية؟

التدوين العربي…أفق حرية أم وهم حرية؟

غزت المدونات الالكترونية الويب العربي في الفترة الاخيرة،بمختلف اشكالها وأنواعها ،المتخصصة منها،والشخصية على حد سواء،حيث “تعتبر المدونات أحد أشهر أوجه الاعلام الجديد،وهي عبارة عن مذكرات ترتب بحيث توضع التدوينات الاحدث في اعلى الصفحة الرئيسية للمدونة،تليها التدوينات الاقدم،حيث تتيح التعليق على ما يكتب فيها،كما يمكن لصاحب المدونة التحكم في محتوياتها بسهولة كبيرة مقارنة بمواقع الويب التقليدية”*
تمت احاطة الاعلام الجديد بهالة كبيرة من الاعجاب في بدايات ظهوره،خاصة اذا ما تعلق الامر بالمدونات،هذه الاخيرة التي باتت تشكل نوعا اخر من الاعلام القائم على الحرية-التي تبقى نسبية-في نقل الاحداث،على اعتبار ان المدونات إعلام لا يخضع لشروط معينة تمليها المؤسسة الاعلامية،كما هو معروف في الاعلام التقليدي.
لكن ما مدى صحة الرأي القائل بحرية الاعلام الجديد عموما،والتدوين خصوصا؟وهل التدوين افق للحرية؟ام وهم حرية؟
للاجابة على هذا السؤال لابد من التركيز على النقاط الثلاث التالية:
اولا:الحرية مفهوم زئبقي:
ان الحديث عن الحرية بصفة عامة،أمر يحمل من النسبية الشيء الكثير،فالحرية مفهوم زئبقي من الاستحالة الاتفاق عليه بشكل ثابت يجعلنا نقيس الحرية وفق مقاييس موضوعية،فالحرية بالمفهوم المطلق غير موجودة،على اعتبار ان حريتي تنتهي عندما تبدا حرية الاخرين،فمن يحدد في هذه الحالة حدود الحرية الواجب التوقف عندها؟
اذا كانت الحرية في وسائل الاعلام التقليدية يحددها التوجه العام للمؤسسة الاعلامية،والخط الافتتاحي للصحيقة،اضافة للتشريعات الاعلامية الخاصة بكل دولة،فان حرية التدوين ترتبط اساسا بشخصية المدون في حد ذاته من جهة،وبحدود الحرية التي يرسمها وفق تصوره الخاص من جهة اخرى.
اذا مالذي يدعونا للاعتقاد بأن بأن التدوين افق للحرية إذا كان التدوين قي حد ذاته يعتمد على رؤية معينة لشخص معين،كما هو الحال بالنسبة للاعلام التقليدي الذي يعتمد على رؤية معينة لمؤسسة اعلامية ، اليس التدوين بهذا المفهوم نموذج مصغر عن المؤسسات الاعلامية؟والفرق ان المؤسسة الاعلامية تعتمد على مركزية القرار ، بينما الاعلام الجديد عموما ، والتدوين خصوصا يعتمد على اللامركزية في صناعة المحتوى ، على اعتبار ان كل مدون بمثابة مؤسسة اعلامية صغيرة تقدم اخبار متنوعة وفق توجه معين.
ثانيا:التدوين والسلطة وصناعة الرأي العام:
إضافة الى ما سبق فان حرية التدوين لا تقف عند المعنى المجرد للحرية وحسب-وان كان الاشكال يبقى مطروحا-بل تتجاوز ذلك الى ارض الواقع.
فكما هو معلوم ظلت وسائل الاعلام التقليدية مرتبطة بالسلطة والراي العام ، في علاقة شائكة ومتبادلة حول من يصنع من؟ومن يوجه من؟.
فهل وسائل الاعلام التقليدي تصنع وتوجه الراي العام،ام ان السلطة هي التي توجه وسائل الاعلام في صناعة الراي العام وتوجيهه؟سواء بطريقة مباشرة-عن طريق التشريعات الاعلامية-أو بطريقة غير مباشرة -من خلال وسائل الاعلام الحكومية-او بطريقة الرقابة الذاتية-عن طريق عزوف وسائل الاعلام التقليدية عن بعض المواضيع التي تعد خطوطا حمراء قد تعرض الوسيلة الاعلامية لمشاكل مع السلطة-.
التدوين ظل لفترة بعيدا عن إشكالات السلطة والراي العام لسببين رئيسيين:
*عدم تناول المواضيع التي لها علاقة مباشرة بالسلطة.
*التدوين وسيلة جماهيرها محدودة نسبيا-لان من يدون او يتابع المدونين لابد ان يتوفر على الحد الادنى من المعرفة التكنلوجية اضاقة لاسباب اخرى لا يسع المقام لذكرها جميعا-مما يجعل حظ التدوين في صناعة وتوجيه الراي العام قليلا.
لكن في الفترة الاخيرة ظهرت موجة من الاعتقالات في اوساط المدونين من مختلف الاقطار العربية ،نظير تدويناتهم التي لم ترق السلطة في بلدانهم،امثال“المدون المصري وائل عباس”، والمدون “احمد مصطفى”،والمدونين المغربيين ” أبو بكر اليديب وعبد الله بوكفو”،اضافة الى المدونة السورية “طل الملوحي”،التي تبقى اسباب اعتقالها غير منطقية،او لعلها بمثابة نوع من التحذير لباقي المدونين وغير هؤلاء كثير.
هذه الاعتقالات تجعلنا نفترض دخول التدوين في علاقة جدلية مع السلطة والراي العام،حاله حال الاعلام التقليدي،وهذا يؤدي بالضرورة الى التساؤل عن حرية التدوين من جديد،هل هي مجرد وهم بدات الحقيقة تكشفه؟
ثالثا:التدوين والحجب:
اخر نقطة حول حرية التدوين ،متعلقة بسياسة الحجب التي تتخذها بعض الدول العربية ازاء المدونات ، كحل هاديء،تفاديا للمحتوى الذي -قد-لا يتناسب او يتعارض مع سلطات هذه الدول.
ويبقى السؤال يطرح نفسه،هل التدوين افق حرية ام وهم حرية؟
الزمن وحده كقيل بالاجابة الدقيقة عن هذا السؤال،وما عدا ذلك يبقى مجرد افتراضات تحتمل الصدق كما تحتمل الخطأ.
*مقتبس من “الويب 2.0 :الشبكات الاجتماعية والاعلام الجديد”،مذكرة ليسانس في الاعلام غير منشورة.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: